
تستمرّ الحملة التي يطلقها روّاد منصّات التواصل الاجتماعي وناشطون حقوقيّون ومؤيّدون للقضية الفلسطينية على موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية منذ الأسبوع الماضي، على خلفية ليس فقط تراجعها عن حظرها السابق لتسجيل الأرقام الواردة من الأراضي المحتلّة، بل كذلك تسجيل رقم قياسي حول أمر مثير للريبة!
هكذا، نال كيان الاحتلال الرقم القياسي لزرع الكلى بعدد 2030 عملية، متجاوزاً الرقم السابق الذي كانت الولايات المتّحدة قد حقّقته عام 2018 بـ410 عمليّات. لم يمرّ الخبر مرور الكرام، خصوصاً مع الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال في غزّة، وكان خلال احتفاله برقمه القياسي يخرق اتّفاق وقف إطلاق النار، قاصفاً خيام النازحين ومخلّفاً عشرات الشهداء، وكذا يكمل قتل الناس في لبنان وسوريا.
وعلى سوء محاولة الكيان تلميع صورته على أنّه «إنساني»، إلّا أنّ ذلك لم يكن الإشكالية الأكبر. إذ إنّ السبب الرئيسي وراء الحملة على «غينيس» متعلّق بمصدر الأعضاء المزروعة، وهي بحسب تقارير عدّة مسروقة من أجساد الفلسطينيّين، علماً أنّ هذه التقارير فضحت في الأشهر الأخيرة إعادة الاحتلال لجثث الأسرى الفلسطينيّين وأعضاؤهم منقوصة، وبعضهم كان مشوَّهاً إلى حدّ عدم التمكّن من التعرّف إلى هويّته!
وقد أثار مدير عام وزارة الصحّة في قطاع غزّة منير البرش تساؤلات حول مصادر الأرقام، علماً أنّ حكومته سبق أن اتّهمت الكيان بسرقة أعضاء جثامين 80 فلسطينيّاً في كانون الأوّل (ديسمبر) 2023. واعتبر البرش في منشور له على «إكس» الجمعة الماضي أنّ «الأرقام وحدها لا تجيب عن السؤال الأساسي.
من أين جاء هذا العدد الهائل من الكلى؟»، مشيراً إلى جثامين أعيدت إلى غزّة «ناقصة الأعضاء من دون تقارير تشريح». وأضاف: «نحن لسنا ضدّ التبرّع بالأعضاء، ولكنّنا ضدّ تحويل القيَم الإنسانية إلى واجهة دعائية، واستغلال الجسد الفلسطيني حيّاً أو شهيداً. غياب الشفافية ومنع الرقابة الدولية يجعلان من الشكّ حقّاً ومن المساءلة واجباً». وسأل البرش «كيف يكافَأ الصمت بالأرقام؟».
من جهته، كان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قد ادّعى في مراسم الاحتفال أنّ رفض «غينيس» السابق «لم يكن بسبب الأرقام، بل لأنّه رقم إسرائيلي فقط».
وزعم أنّ المتبرّعين «اختاروا إنقاذ حياة الآخرين رغم المخاطر الشخصية» وأنّ ذلك يمثّل «التزاماً أخلاقيّاً غير قابل للمساومة بقدسية الحياة»! والمثير للسخرية أنّ هرتسوغ نفسه كان يتحدّث عن «نفاق حملات المقاطعة»، فيما ينافق حول اكتراثه للحياة الإنسانية وقدسيّتها رغم أنّ كيانه لم يترك جريمة ضدّ الإنسانية إلّا وارتكبها!
هكذا، ثارت ثائرة روّاد مواقع التواصل، فهاجموا بشكل مكثّف صفحات «غينيس» معلّقين بالأعلام الفلسطينية وكلمات مثل «عار» حتّى على منصّات مثل «إنستغرام» حيث آخر المنشورات من العام الماضي. كما دعوا إلى مقاطعة الموسوعة البريطانية حتى التراجع عن خطئها الفظيع.
لكن هناك قطبة مخفية، إذ إنّ أصواتاً صهيونية علت إبّان الحظر المزعوم للأرقام من الأراضي المحتلّة أواخر العام الماضي، على رأسها كان بيل آكمان الذي دعى إلى إنشاء منصّة «غير متحيّزة» على حدّ تعبيره، وهو ما يثير التساؤلات حول تعرّض «غينيس» للضغط من اللوبيات الصهيونية، أو على الأقلّ خوفها ممّا قد يجلبونه عليها عبر منافس من صنع أيديهم!

